ابن عساكر
286
تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )
فلمّا كان تمام أربعين ليلة وهي قدر ما كان قومه في العذاب ، وأصابه الغم ، فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [ سورة الأنبياء ، الآية : 87 ] ، فسمعت الملائكة بكائه ، وعرفوا صوته ، فبكت الملائكة لبكاء يونس ، وقالوا : يا ربّنا ، صوت ضعيف حزين نعرفه في مكان غريب ! قال : ذلك عبدي يونس ، عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر . فقالوا : يا رب ، العبد الصالح الذي كان يصعد له كل يوم وليلة العمل الصالح الكثير ؟ قال : نعم . قال ابن عباس : هذه عقوبته لأوليائه فكيف لأعدائه ؟ فشفعت له الملائكة ، فبعث اللّه جبريل إلى الحوت يأمره أن يقذف يونس حيث ابتلعه ، قال : فجاء به إلى شاطئ دجلة ، فدنا جبريل من الحوت ، وقرب فاه من في الحوت ، وقال : السّلام عليك يا يونس ، رب العزة يقرئك السلام ، فقال يونس : مرحبا بصوت كنت خشيت ألّا أسمعه أبدا ، ومرحبا بصوت كنت أرجوه قريبا من شدّتي . ثم قال جبريل للحوت : اقذف يونس بإذن الرحمن ، فقذفه مثل الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ريش ، فاحتضنه جبريل - وقيل : بقي يونس في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاثة « 1 » ليال - وقذفه على الساحل مثل الصبي المنفوس ، لم ينقص منه خلقا ، ولم يكسر « 2 » له عظما « 3 » . وقيل : لمّا أمر الحوت أن يلتقمه قال : يا رب ، كنت أشقى خلقك برسولك ! فبعث اللّه حوتا آخر ، فجعل يقول للحوت : واللّه لتلقمن يونس أو لألتقمنّك ، فمضى الحوت لأمر اللّه تعالى . وقيل : أوحى اللّه إلى الحوت : إنّي لم أجعل يونس لك رزقا ، وإنما جعلت بطنك له سجنا « 4 » ؛ فلا تهشمن من يونس عظما . وقيل : لمّا استقر في بطن الحوت قال : وعزتك ، لأبنين لك مسجدا في مكان لم يبنه أحد قبلي ، فجعل يسجد له . وقال تعالى : فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ [ سورة الصافات ، الآية : 143 ] ، أي من المكثرين للصلاة قبل ذلك . قال الحسن : شكر اللّه له صلاته قبل ذلك ، فأنجاه بها .
--> ( 1 ) كذا في مختصر أبي شامة . ( 2 ) في مختصر ابن منظور : يكس . ( 3 ) انظر تاريخ الطبري 1 / 377 - 378 والبداية والنهاية 1 / 269 - 270 وتفسير القرطبي 15 / 123 - 124 . ( 4 ) في تفسير القرطبي 15 / 127 إنما جعلناك له حرزا ومسجدا .